أبو علي سينا

145

رسائل ابن سينا ( ط استانبول )

النفس وانجز إليها واستيلاء الظن والوهم المعنيين للتخيل على العقل فنشاهد أمورا موحشة فلممرورين والمجانين يعرض لهم ان يتخيلوا ما ليس بهذا السبب واما اخبارهم بالغيب فاما يتفق أكثر ذلك لهم عند أحوال كالصرع والغشى يفسد حركة قواهم الحسية وقد يعرض ان لكل قوتهم المتخيلة كثيرة حركاتهما المضطربة لأنها قوة مدنية ويكون همهم عن المحسوسات مصروفة متكثر رفضهم للحس فإذا كان كذلك فقد يتفق ان لا يشتغل هذا القوة بالحواس اشتغالا مستغرقا ويعرض لها أدنى فيكون عن حركاتها المضطربة ويسهل أيضا انجذابها مع النفس الناطقة فيعرض للعقل العملي اطلاق « 1 » إلى أفق عالم النفس المذكورة فنشاهد ما هناك ويتأدى ما نشاهده إلى الخيال فيظهر فيه كالمشاهد المسموع فحينئذ إذا اخبر به الممرور وخرج وفق مقاله يكون قد يكهن بالكاينات المستقبلة والآن يجب ان يختم هذا الفصل فقد أدينا فيه نكت هذه الاسرار المكنونة « 2 » . الفصل الرابع عشر : قد بينا فيما سلف أقصى ما يبلغه القوة العملية في ادراكها وسياستها للبدن والعالم ورتبنا درجات النبوات بالقياس إليها والآن فانا نريد ان نعرف استناد تلك الدرجات في القوة النظرية فنقول من المعلوم الظاهر أن الأمور التي يتوصل بما إلى اكتسابها بعد الجهل بها انما يتوصل إلى اكتسابها بحصول الحد الأوسط في القياس وهذا الحد الأوسط قد يحصل بضربين من الهيولى فتارة يحصل بالحدس والحدس هو فعل الذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط والذكاء في قوة الحدس وتارة يحصل بالتعليم الحدس فان الأشياء ينتهى لا محالة إلى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس ثم أوردها إلى المتعلمين فجاز اذن ان يقع للانسان بنفسه الحدس وان ينعقد في ذهنه القياس بلا تعلم وهذا يتفاوت بالكم والكيف اما في الكم فلان بعد الناس يكون أكثر عدد للحدود الوسطى واما في الكيف فلان بعض الناس يكون اسرع زمان حدس ولان هذا التفاوت ليس منحصرا في حد بل يقبل الزيادة والنقصان دائما وينتهى في طرف النقصان إلى من لا حدس له البتة فيجب ان ينتهى أيضا في طرف الزيادة إلى من له حدس في كل المطلوبات أو أكثرها وإلى من له حدس في اسرع وقت واقصره فليمكن ان يكون

--> ( 1 ) اطلاع ( 2 ) في ذكاء النفس .